مسرح

هل فهمت الرمزية في المسرح يوماً؟

كثيراً ما نرى أعمالاً فنيةً مبهمةً، مملةً، غير واضحة ولا تحمل شيئاً من الجمالية الفنية. نرى خطوطاً متشابكة وألواناً مبعثرةً في لوحة غريبة الأطوار، أو نقرأ مسرحية أو شعراً أو أدباً لا نفقه منه شيئاً. حينها، قد يغرب أحدنا وجهه عن العمل الفني ويقول في نفسه: “أنا لا أفهم في الفن”. وبالتالي، هل فهمت الرمزية في المسرح يوماً؟ في الحقيقة، إن أنواع الفنون متعددة، منها الواقعي ومنها الرمزي، وأنواع أخرى. فأين بدأت الرمزية؟ وأي ظروف أحاطت نشأتها؟ وما الذي يميز هذا التيار الفني؟

في سياق مسرحية “الداخل” التي ألفًها الكاتب المسرحي البلجيكي موريس ميترلينيك Maurice Maeterlinck تقول إحدى الشخصيات ” كل منا يحمل في داخله سبباً يجعله لا يرغب في الحياة”.

لم يأتِ الكلام هنا بهدف الحوار، وإنما بهدف الإبلاغ عما يدور في نفس ومكنونات الآخرين. فتقوم الشخصية (أ) بالإبلاغ عما يدور في داخل الشخصية (ب).

الأشخاص في هذه المسرحية، ليس لهم تاريخ ومعالم محددة. بل، هم أفكار روحية تتصارع في محاولة لاستكشاف دورها في الوجود، وكيفية توحدها مع النفس العليا للكون أو الخالق.

الرمزية

شكلت الرمزية في المسرح، سابقة في آوخر القرن الثامن عشر، حيث خرج الأسلوب المسرحي عن الكلاسيك. بالإضافة إلى أنه حمل الكثير من المتغييرات على صعيد التعبير الفني.

فلم يعد الفن مجرد لوحة طبيعية ذات ألوان زاهية، أو مسرحية تحكي قصة أحد الملوك. بل، بدأت رحلة البحث عن أساليب تعبيرية جديدة في كل المجالات الفنية. انطلاقاً من أسلوب الحوار الجديد، الذي تبلور مع ميترلينيك، انسحب التغيير على عدد من الفنون الأخرى كالرسم والموسيقى والشعر.

بعد أن أخذت المدرسة الطبيعية مجدها، أتت الرمزية في المسرح، كردة فعل على هذه المدرسة. وأيضاً على تيار البارناس Parnasse الذي يدعو إلى “الفن للفن”.

نشوء الرمزية وتطورها:

نشأت الرمزية في آواخر القرن التاسع عشر، إذ ظهرت متغيرات سياسية وإجتماعية وعلوم ونظريات جديدة حطمت الموروثات. فأصبحت الأشكال الفنية الكلاسيكية غير صالحة، مما أدى إلى نشوء ثورة على القوالب والمحتويات.

بعد أن انسحبت الرمزية في المسرح، على كافة أنواع الفنون الأخرى، اجتاحت موجه الرمزيين عدداً من الدول الأوروبية وروسيا أيضاً. تلاقت على سبيل المثال، جهود متيرلينيك في بلجيكا، مع جهود المسرحي فيسفولد مايرخولد. كان الاخير، يبحث داخل مختبره المسرحي، في روسيا، عن أشكال جديدة للمسرح، بعيدة عن الديكور الكلاسيكي، بهدف عدم تلقين المتفرج وإنما تحفيز الخيال لديه.

“وظيفة الفن لا تكمن في نقل الطبيعة كما هي، لإن الجمال لا يكمن في الخارج المحسوس، وإنما في الروح”

جدير بالذكر، أن إخراج المسرحيات الرمزية لم يكن سهلاً، لإنها تعتمد على الإيقاع والإضاءة لإبراز لحظات الصمت والظلال… التي تساعد على تجسيد المعاني والمفاهيم الفكرية أو السياسية أو الإجتماعية من خلال المسرح.

ناهض الرمزيون التصوير الواقعي للطبيعة. فلوحات الجبال والوديان في الرسم، والحوارات الواقعية في المسرحيات لم تعد تعبر عن حجم المتغيرات التي يعيشونها. واعتبروا أن وظيفة الفن، لا تكمن في نقل الطبيعة كما هي، وتصويرها فوتوغرافياً. لإن الجمال لا يكمن في الخارج المحسوس، وإنما في الروح أو “الداخل” حيث لجأ الرمزيون إليه. كما أنهم لم يكتفوا بالمظهر، لإنه يحجب العالم الروحي.

فمن يشاهد مسرحيةً تنتمي للنوع الرمزي قد لا يفهم منها شيئاً، أو من يشاهد لوحات رمزية، لا يعتبرها سوى خربشات. لكن، إن هذه الأشكال الجديدة تحفز الخيال لدى المتلقي. تجعله يفكر ويحلل ويخرج بانطباعات وردود فعل، لا يفهمها وإنما يشعر بها. وبذلك يكون فعل الإدراك عن طريق الخيال وليس عن طريق العقل.

الرمزية
التيارات الرمزية المتعددة:

لا بد من الإشارة إلى أن هناك تياران رمزيان:

الأول يعتقد أن العالم المحسوس هو ستار يجب اختراقه فألغوا المستوى الواقعي في الأعمال المسرحية.

التيار الثاني، يعتقد أن العالم الواقعي المادي، هو تجسيد رمزي لعالم الغيب، أي أن عاملي الروح والمادة يتداخلان. إذ يحافظ هذا التيار على المستوى الواقعي، مع إعطائه بعدا روحياً أو رمزياً. ويصبح الحدث الخارجي ذات الزمان والمكان، رمزا لحقيقة إنسانية خالدة.

في وقت كان العالم يتطلع لفهم كل الحقائق، تأتي الرمزية لتجعلنا نشعر ونحس في أعماقنا، ونتغاضى عن الخارج.

تترك الرمزية الفنية فينا، الكثير من المشاعر والأفكار، دون أن ندرك ما الذي يحصل في “الداخل” كما شاء ميترلينيك تسمية مسرحيته.

خليل الحاج علي

صحافي متخصص في الشأن الثقافي، حاصل على دراسات عليا في المسرح والفنون.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى