سينمامراجعة فيلم

«Promising Young Woman»: التطهير بأبهى حُللّه

لا يميل فيلم «Promising Young Woman» أو «شابة واعدة»، ليكون معقداً من حيث الحبكة أو الإخراج أو الشخصيات. بل هو فيلمُ جريمةٍ واغتصابٍ، هدفه إشباعُ رغبة المتفرج بالإنتقام. نظرية إشباع المتفرج أو التنفيس الوجداني، عرفت بنظرية التطهير، مع منظر الدراما الإغريقي «أرسطو»، وصولاً إلى عصرنا هذا. علماً أنه مع تطور النظريات والتيارات الفنية في بداية القرن العشرين، بدأ يخف وهج هذه النظرية في الفنون والمسرح والسينما. فيلم «Promising Young Woman»، هو التجربة الأولى للمخرجة إميرلد فينيل «Emerald Fennell»، من بطولة الممثلة كاري موليجان «Carey Mulligan»، ومن إنتاج عام «2020».  فيما يلي نقدم مراجعة فيلم «Promising Young Woman».

حبكة فيلم «Promising Young Woman»:

في مقهىً صغير، مشبع بالأنوار، مليئ بالألوان. تعمل شابة واعدة «كايسي»، بعد أن تركت تحصيلها العلمي في كلية الطب، لتنذر نفسها في سبيل الإنتقام لصديقتها «نينا».

تتكشف خيوط قصة انتقام «كاسي» لصديقتها التي تعرضت لللإغتصاب، على مرأىً من مجموعة شبان، وشابات أردن السكوت عن الجريمة، والتستر عما حدث.  

تعيد كايسي، نسج كل خفايا الماضي، وربط الأحداث التي أدت إلى موت صديقتها. فتنطلق في رحلة انتقام، وتذيق كلَّ من كان شاهداً على جريمة إغتصاب «نينا» على قدر ما اقترفت يداه. وصولاً إلى نهاية صادمة وغير متوقعة، تنحو فيها الحبكة باتجاه العنف والقتل.

كايسي: شابة واعدة

لا يمكن القول في إطار مراجعة فيلم «Promising Young Woman»، بأن شخصية «كايسي» مريضة سيكولوجياً. بل، على العكس، تظهر الشحصية وكأنها مخلص. تظهر مسامحة وطيبة.

في الملامح الخارجية لـ «كاسي» تظهر الرقة والنعومة، مما يجذب الرجال إليها عند ارتيادها للحانات الليلية. أقصى ما يمكن أن نتحرف إليه سلوكياً، هو استدراج رجلٍ، ثم تركه يرحل خالي الوفاض. في محاولةٍ منها لإشباع رغبتها في الإنتقام وتحقيق هدفها الأسمى في هذه الحياة. ذلك يُعد آمناً وواعياً. إلى حين وصلت أفعال الشخصية إلى النهاية، حيث شرعت مخرجة فيلم «شابة واعدة» بالجموح صوب القتل والجريمة.  

هناك متعة تخلقها عملية التطهير. فما ينتج عن مشاهدة العنف الذي رافق مصير الشخصية، يحقق التنقية في النفس البشرية للمتفرج.

أرسطو

قدمت المخرجة إميرلد فينيل المرأة، في صورة منمطة عن النساء اللواتي يرتدن الحانات الليلية. شعر أشقر طويل، لباس فاحش. تجمع الفكاهة والطفولة في شكل مألوف للغاية، في حين أن الشخصية تضمر في أعماقها الكثير من الثورة على المنظومة الاجتماعية والأخلاقية التي تحيطها. ينم ذلك عن ضعف في الأداء التمثيلي، فلماذا عمدت المخرجة إلى إظهار هذه الصورة النمطية شكلاً، ولم تظهرها في الإيماءات أو الإنفعالات؟

كاري موليجان في شخصية «كايسي»

من هنا تتضح لنا الهوّة في فيلم «Promising Young Woman». الكاستينغ (أي اختيار الممثل) لا يعد ناجحا. شخصية «كاسي» هي شابة ثلاثينية واعدة، قامت بأداء دورها، الممثلة كاري موليجان، التي تبلغ من العمر حوالي 36 عاماً. مما أظهر فرقاً واضحاً بين الشخصية والممثلة، ولم يكن مقنعاً اختيارها لتقوم بأداء هذا الدور. طبعاً، يمكن تخطي الحواجز العمرية والفئوية والعرقية في اختيار الممثل، لكن مع مراعاة تاريخ الشخصية وتكوينها. لم تمتلك الممثلة كاري موليجان، الأداء الجيد لتتخطى كلَّ هذه الحواجز.

انطلاقاً من تحليل شخصية «كايسي» ضمن مراجعة فيلم «Promising Young Woman»، يمكن القول إن الثقل الدرامي لا يتجسد في الشخصية ذاتها، وإنما في أحداث الحبكة (البداية، العقدة، النهاية). رجحت المخرجة كفة الأحداث على حساب كفة الشخصية.

الأحداث في فيلم «شابة واعدة»، تتراكم، تُبنى، تتفاقم لتصل إلى الذروة، فيتحقق الهدف الأسمى الذي يحمله الفيلم: وهو الإنتقام. بعدها، يشعر المتفرج باسترخاء عضلي وحسّي وعاطفي، بعد ما عاشه في الفيلم من توترات وأحداث. فما هذا الشعور الذي يعطيك إياه الفيلم؟

فيلم «Promising Young Woman» والتطهير:

في سياق مراجعة فيلم «Promising Young Woman»، يتبين أن النهاية حققت ما تصبو إليه الشخصية. تحدث النهاية في نفسك ارتياحاً، نتيجة تسارع الأحداث، ووصولها إلى خواتيمها. تشعر بمتعة غير متناهية، إزاء المحاكاة التي قُدمت. فبعد أن يتحقق الإنتقام، وعلى الرغم من بعض المشاهد المؤلمة، إلا أننا نستمتع بكل ما جرى.  

من هنا، نعود إلى أرسطو ونظرية التطهير أو «Catharsis». يقول أرسطو في هذا الصدد، إنَّه إلى جانب المتعة الجمالية التي تربط بأي عمل فني، هناك متعة تخلقها عملية التطهير. فما ينتج عن مشاهدة العنف الذي رافق مصير الشخصية، يحقق التنقية في النفس البشرية للمتفرج، والتفريغ لشحنة العنف الموجودة داخله، مما يحرره من أهوائه.

طبعاً، لا ضير بأن يحقق فيلم «Promising Young Woman»، هذا التفريغ في نهايته. لكن لا بد من القول بأن هذه النظرية الفنية، تم نقدها وتجاوزها مع منظرين مسرحيين أمثال: الألماني بروتلت بريخت، والبرازيلي أوغستو بوال. فاختلفت وظيفة المسرح معهما، لجعل المتلقي فعالاً، ولا يعيش وهم الحبكات الأرسطية ويتأثر بها عاطفياً. وأيضاً لتحريك الأسئلة الوجودية لديه .

مراجعة فيلم «Promising Young Woman»، تؤكد أن هذا النوع السينمائي، ينتمي إلى السرديات وقصص الأبطال، التي تشبع رغبة المتفرج بتحقيق الإنتقام والعدالة. لكنه يبقى من الأفلام المتقنة من حيث الإخراج والسيناريو، والذي يحدث متعة في النفس البشرية.  

خليل الحاج علي

صحافي متخصص في الشأن الثقافي، حاصل على دراسات عليا في المسرح والفنون.

مقالات ذات صلة

‫4 تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى