أفلام المهرجاناتسينما

حبيبي بيستناني عند البحر: بلورة للذاكرة الفلسطينية المعاصرة

يحاكي الفيلم الوثائقي «حبيبي بيستناني عند البحر»، للمخرجة الأردنية الفلسطينية ميس دروزة، (80 د. إنتاج: 2013. متاح على منصة أفلامنا) مفهومين متناقضين، يتأرجحان بين الشاعرية والأحلام من جهة، والواقع المعاش من جهة أخرى. يطرح الفيلم الوثائقي، الواقع المكبل، بإطار الجسد والحدود الجغرافية. بالمقابل، ويعيد طرح جوهر الإنسان، وعلاقته بالأيديولوجيات السياسية، والإجتماعية، والنفسية، على شكل دوامة مثقلة باليأس والإصرار، في آن معاً.

الرؤية الإخراجية: وثائقي بنكهة روائية

«كان طائراً يعشق سمكه. بينه وبينها خط الماء الرقيق. كانا يكسرانه سوياً لقبلة واحدة فقط. إنها قصتهما القصيرة. بين قبلة وأخرى، كانت حياتهما تستمر، في الماء سمكه، وفي الجو طائر، وبينهما يسكن غيم». بهذه العبارة الشاعرية، للفنان الفلسطيني الراحل حسن حوراني (1974 – 2003)، تفتتح المخرجة ميس دروزة، فيلمها الوثائقي، الأقرب إلى فيلم روائي طويل يطرح تساؤلات بعيدة تماماً عن إطار السرد التاريخي للأحداث. كما يبدأ «حبيبي بيستناني عند البحر» بالسؤال عما هو البحر؟ فتأتي الإجابة: «إن البحر هو عالم خاص بألوانه، بهدوئه، بهيجانه… إذ لا أحد يستطيع التأثير عليه أبداً، بل هو يؤثر على الناس».

تتداخل 3 عناصر من المشهدية في الفيلم، جسدت التناقض الذي حاولت المخرجة تصويره للمشاهد. ما بين رسوم الأطفال التي تعبر عن شخصية حسن، التي صورتها المخرجة بشكل بطل أسطوري، لا يعترف بالحدود الإقليمية والمناطقية، لتصبح حدوده «البحر»، ذاك العالم المجرد، الغامض، حيث تسبح الروح في أحلامها، وبين المشاهد الواقعية، التي تعبّر عن يوميات الشعب الفلسطيني الذي يعيش في الشتات، أو ذاك الذي يعيش في الداخل، العاجز عن الوصول إلى البوصلة التي يدركها تماماً، وبين تاريخ فلسطين القابع في الذاكرة، لأشخاص غير قادرين على فهم ماهية هذه الذاكرة. بهذا تصبح فلسطين وطناً يعيش داخل فكر الشعب الفلسطيني، عكس الشعوب الأخرى، حسبما تذكر أحد الشخوص في الوثائقي.

المشترك بين الشخصيات، هو مرحلة ما بعد الإحباط، وهي المرحلة الأشبه بالعدمية والعبث.

إنّ تداخل الشاعرية مع السرد اليومي الدقيق، الذي يتخلل أسئلة وجودية عن معنى الإنتماء، والوطن، والحرية بين الحين والآخر، أدى إلى إدراج الوثائقي ضمن إطار الممارسات الفنية المعاصرة. كذلك، يبدأ الفيلم كما ينتهي، بالوقوف إلى جانب البحر وتحديداً شاطئ حيفا، الذي يعرف بعروسة البحر. هذه البنية الدائرية للفيلم، استطاعت تجسيد الرغبة الدائمة بالأحلام، وبأن التحدّي الأكبر، والجامع بين الشخصيات هو الإصرار على الحلم، كي لا تقع أسيرة النسيان. بعبارة أخرى، يصبح الحلم حقيقة حتمية وهوية واضحة للإستمرارية.

الهوية الفلسطينية: دوامة متأرجحة بين العدم والوجود

اختلفت ظروف الأشخاص التي أجريت معهم  المقابلة. ولكن، ما كان واضحاً بأن الحوار خرج من إطاره السردي للأحداث، متخذاً شكل مونولوغ داخلي، يطرح التساؤلات. بعبارة أخرى، دعم الصمت الجو الذي أرادته المخرجة. إذ تتحول الأشخاص في الفيلم إلى شخصيات سينمائية أو مسرحية، حاولت تشريح الواقع.

المشترك بين الشخصيات، هو مرحلة ما بعد الإحباط، وهي المرحلة الأشبه بالعدمية والعبث. ولكن، في الوقت نفسه نجد أن الشخصيات مصرّة على فكرة المقاومة، بطرق مختلفة. فالشخصيات رافضة للواقع، وغاضبة لأنها تعتبر بأن الغضب هو جزء لا يتجزأ من المقاومة.

نوستالجيا حب، أم بناء فكرة وطن من جديد؟

يخيل للمشاهد من عنوان الفيلم «حبيبي بيستناني عند البحر» أننا أمام قصة رومانسية، تشبه قصص الأفلام المصرية القديمة. ولكننا، نكتشف شيئاً فشيئاً أننا أمام تشريح للذاكرة الفلسطينية، وإعادة إنتاج لمفهوم الإنتماء، والحرية، والمقاومة.

ضمن السياق المذكور، ذكرت المخرجة في إحدى مقابلاتها، بأن حسن حوراني هو فنان فلسطيني، تعرض لنهاية مأساوية، عندما هرب مع عائلته من الضفة الغربية إلى بحر يافا، ليشاهد البحر ويتنفس خارج حدود الدوامة التي فرضت عليه. ولكن، يموت حسن بعد محاولة إنقاذ إبن أخته الصغير، على الرغم من أنه لا يجيد السباحة. ومن هنا، جاءت رمزية البحر، لتجسّد العجز القابع بين الرغبة في المقاومة، ومحاولة الرفض رغم الإنكسارات.  

كذلك، تستعرض المخرجة في حواراتها، أنها عندما اطلعت على رسومات الفنان وكتاباته، رأت أنه يحاول تصوير عالم قابع في خياله وأحلامه، ولكنه يشبه الواقع، عبر  التأكيد على وجود الإحتلال وضرورة المقاومة على المستويات كافة. ومن هنا، نشأت تلك العلاقة التي كانت أشبه بالسحر، والتي ساقت المخرجة للإقدام على الذهاب إلى بلاد لا تعرفها سوى من أحاديث أهلها، ومن الصور ذات الألوان البالية في كتب التاريخ.

وأخيراً، تتسائل المخرجة عن كيفية تمرير المعلومات للجيل اللاحق، إذا لم ترَ البلاد التي حلمت بها، ولم تشعر بها وتتحسس أبسط تفاصيلها؟ لذلك، مجيء حسن المفاجئ، جعلها تشعر بأن رؤية فلسطين باتت شيئاً ضرورياً ومحالاً.

ندى جوني

كاتبة محتوى إلكتروني، أعمل في مجال البحث العلمي، أحضر حالياً لنيّل شهادة الماجستير في المسرح من الجامعة اليسوعية في لبنان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى