فنون أخرىمؤلفات وإصدارات

غمام الروح وتعاويذ الياسمين لمحمد توفيق أبو علي: الخروج البسيط عن الأنا

في مجموعته الأدبيّة الأخيرة «غمام الروح وتعاويذ الياسمين»، الصادرة عن «دار ناريمان» (طبعة أولى.2022). قدّم محمد توفيق أبو علي، لوحة مزخرفة بالتراكيب، والعبر، والأخبار، والرؤى، والخرافة، والقصّ. فعمد بأسلوب سهل ممتنع، إلى قول كل ما يجري، وما جرى في فلكه، دون تكلّف تصويريّ أو إِطْناب قصصيّ. على مدى 173 صفحة، تتوزع بين الشعر والقصص القصيرة والخواطر، حمل أبو علي كل ألوان الأدب، من الغزل إلى الرثاء وإلى المناجاة، دون أن يقدمها بمعجم معقّد أو يتعمّق بنحت الصورة، فكانت العفويّة والانسابيّة، الطريق الأسرع للوصول الى القصديّة.

الأنا الغائبة عن الشعريّة

في  القسم الشعري، اعتمد أبو علي، على الكثافة في تقديم قصائده الموزونة، تاركًا للإيقاع القدرة على تلوين الذائقة لدى المتلقي «وليكن نور شموسٍ لا يدانيها الأفول / وتعاويذ لضوع الياسمينْ / ولهاث الوالهين».(ص.9 ). كما لجأ الى الخبريّة عوضًا عن السرد، مما يعني أنّ الشاعر متمسك بالكلاسيكيّة، واختار إبراز جماليتها على حساب القصّ الشعري الذي يعد سمة حديثة في الشعر لا سيّما المنثور منه «ما أجمل الوجه الذي  يجلي المرايا الخاشعة» (ص.11). عدا أن التعجب أتى بصيغة المدح والتفاؤل لا الاستنكار.

انطلاقًا من هذا السطر الشعريّ انسحبت الدلالة التعجبيّة، لتكون مبعث ايجاب وتفاؤل رغم كل الرماد الذي يحاوطنا «ما أحيلاك ضِمادًا» (ص.25). وعلى الصعيد الأسلوبي أيضًا، برزت رغبة لدى الشاعر بالابتعاد عن أناه، والإبقاء على العوامل التي ترفع الشعريّة عند المتلقي الأول أي الكاتب، وعند المتلقي الآخر الذي يبحث عن رؤية الشاعر الكونيّة أو الوجوديّة، مما وضعنا أمام حركة أو تحريض هادىء للطبيعة كي تتحرك بكل موجوداتها «في أيلول … يزهور الأصفر … يلبس ذاكرة خضراء» (ص.18 ).

غمام الروح وتعاويذ الياسمين

فبدلا من التعبير عن الحنين بصيغة الأنا أو الصيغة الآدميّة المختزلة بضمير المتكلّم أنا ومشتقّاتها، تُرك للموجودات أن تكتسب عاطفتها وتخسر تشيّأها «وسألنا الريح قالت/ خدعوني في الهوى؛ لكنّ قلبي لم يزل ينبض حبًّا» (ص.21). ولعلّ ظهور الأنا كان تلقائيًّا ولا إراديًّا منصاعًا للمنطق، أعادنا إلى التقيليديّة التي شهدناها في الشعر التراثي عمومًا وبدايات عصر النهضة حين رثى الشاعر شخصيّات أثّرت فيه وعرفها وأحبها، وعرف بعضها من بعد، بدءًا من رثاء الذات المتعبة «تعالوا أحدثكم عن حزني / عن حلمٍ كان يؤنس كل عين» (ص.35) مرورًا برثاء الآخرين الأقربين « مثل الطيور المهاجرة / يأوي الى مآقينا الغمام» ( ص.78). «إني لأرجوه تعالى سائلا / لك جنّة المأوى بقرب المصطفى» (ص.86).

من ناحية أخرى فإن التناص الديني والتاريخي، قد لعب دورًا لا بأس به في تعزيز وجود الأنا كإستثناء من خلال الحديث عن القدس وفلسطين الوطن، الذي يختزل قوميّة أبو علي وعروبته إضافة الى ناصريّته «يا ناصر الفقراء قل لي يا حبيب/ حتّام نأيكَ عن بلاد شردتها من أسى غصص النحيب» (ص.94) «وصلاة الغائب الحاضر الغائب زيتونًا وتينْ/ في فلسطين» (ص. 81) .

 «وصلاة الغائب الحاضر الغائب زيتونًا وتينْ/ في فلسطين»

محمد توفيق أبو علي

استطاع صاحب «ضوع الياسمين» فإذنـ التحكم بأناه أو بالأنا الدالة على الشعريّة عنده، من خلال تقنية الإضمار وتقنية الإفصاح، فنجح في تغييبها حين كان متطلعًا للفن الخالص، وهزمته العاطفة حين جرّه الإلتزام الأدبي والإنساني نحو الكتابة.

الخرافة والقص القصير

لم يقدّم محمد توفيق أبو علي حكاياته أو قصصه على أنها مزيج رتيب من الحكايات الواقعيّة التي تعالج تعاطينا مع يوميّاتنا الحافلة بالمآسي والأحداث والمواقف، ولم يكن واعظًا على خطى ما قدّمته العرب من قصص قصيرة، غايتها الإعتبار كما فعل الجاحظ في البخلاء، أو ما فعله الفارسي ابن المقفع في كليلة ودمنة. بل، عاد إلى الخرافة واختتم معظم القصص بالجماليّة الممزوجة بالرسالة «وزعم بعض أهل العلم اللدني ، أن غيثًا قد  همى… وأن الياسمين قد قرأ الضوع في حلقة الذكر» (ص.104). في اشارة إلى مدى أحقيّة الشاعر في التكريم لتكرم الأرض فتثمر… وقد أتسم الجانب الحكائي لدى الشاعر بقلّة الشخصيات، ومبنى حكائي قائم على حبكة لا تحتمل التشعبات من بداية إلى عقد إلى نهاية .

أمّا في ومضاته أو خواطره فقد عاد الشاعر الى ما لم يقله شعرًا واضافه في دفتر الخواطر الحميمة، على اعتبار أنه تخلى عن الوزن ونثر مشاعره إلا أنها حافظت على عناصره الأدبية لا سيّما العاطفة واللغة السلسة «حين  تتبعني الضواري/ وتسابقني الغزلان في  صحراء روحي/ أهرع الى كفّ تمطر حبّا» (ص.128).

تقدم محمد توفيق أبو علي نحو الطبيعة والكون، في وقف يتراجع الكل فيه إلى ذاته. ترك التعب لوقت التعب، والحلم لفترة الحلم، وكتب ما لا يؤطّر بزمن ولا مكان. «غمام الروح وتعاويذ الياسمين» لم تكن إلا مناجاة شعريّة، أبى الشاعر إلا توزيعها على عدة طرقات أدبيّة.

نبيل مملوك

شاعر وكاتب صحفي وباحث لبناني مواليد صور 1997، نشر عشرات المقالات في صحف عربيّة ولبنانيّة عدّة منها النهار، عكاظ، الرياض، له مجموعة شعريّة قيد الطبع والنشر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى