سينمامراجعة فيلم

فيلم «على حلّة عيني»: تجسيد سطحي لصراع الشباب العربي

إنهالت العروض السينمائية والأفلام الوثائقية، وتحديداً تلك التي تعالج الأوضاع السياسية في المنطقة العربية، منذ عام 2011، حتى اليوم، أي بعد اندلاع ثورات واحتجاجات في بلدان عربية عديدة، ضدّ الأنظمة الديكتاتورية. بدأت بذور الربيع العربي، باحتجاجات شعبية في تونس، مطالبة بتنحي الرئيس التونسي الأسبق زين العابدين بن علي ، وكرّت السبحة إلى بلدان أخرى… ضمن السياق المذكور، قدمت المخرجة التونسية  ليلى بو زيد، فيلم «على حلّة عيني»، (إنتاج: 2015)، من إنتاج تونسي، فرنسي، بلجيكي، وإماراتي، مشترك، الذي تمّ تصويره في العاصمة التونسية.

مواضيع ذات صلة:

حبكة فيلم «على حلة عيني»:

تدور أحداث الفيلم في صيف 2010، أي قبل اندلاع الإحتجاجات التونسية التي أطاحت بالرئيس زين العابدين بن علي، بأشهر قليلة. ويسرد قصة فتاة مراهقة «فرح» (أداء: بيّة مظفر). انطلقت المخرجة من قصة الفتاة الشابة فرح، التي تحاول أن تكسر الرواسب الإجتماعية، رافضة الإنخراط في مجال الطب، لأنها ترغب الدخول في مجال الموسيقى والغناء. التي هي أداة تعبير عن الحرية، في وجه المنظومة السياسية والأنظمة الديكتاتورية من جهة، والعادات والتقاليد من جهة أخرى. فكانت قصّة الشابة، تجسيداً واضحاً لمفاهيم أكبر وأعمق. من ضمنها الحرية، الظلم، والجنس…

الرؤية الإخراجية لفيلم ليلى بو زيد:

لا يمكن إنكار أهمية إنتاج أي فيلم سينمائي في بلاد تكاد تخلو من قاعات ودور السينما. كذلك، من الضروري التفاعل مع هذه الأعمال على المستويات كافة. ومن هنا، لا يمكن إعطاء أي رأي بطريقة مطلقة ومجردة، في ظل هذه الإنتاجات الممولة من جمعيات دولية. بل، وعلى العكس، يجب اتباع آلية نقد تعيد إنتاج الوعي بأهمية عملية التلقي، وتأثيرها على الرأي العام.

كما قيل سابقاً، إن المتلقي بدا أمام فيلم مشبّع بالقضايا الجادّة، التي كانت بمثابة أفيون لصراع الإنسان العربي، منذ عقود خلت. ولكن، هل يكفي أن تطرح المفاهيم الأيديولوجية وحدها؟ لذلك، لا بدّ من الدخول في إطار المعالجة الدرامية التي اتبعتها المخرجة في فيلمها، والتي كانت أقرب إلى «الكليشيهات»، والمباشرة في طرح الأفكار. بعبارة أخرى، قدم المضمون، الذي تكرر في الفترة الأخيرة في إنتاجات عربية عديدة، بطريقة ساذجة وسطحية، دون الغوص بأعماق النفس البشرية العربية. هل كانت تبحث المخرجة عن العفوية، والتلقائية في طرح المضامين؟ هل نحن أمام محاكاة أرسطية؟

لم ترتقِ المخرجة في فيلمها حتى إلى تحقيق «المحاكاة»، أي نقل الواقع كما هو. إذ، كان المتلقي أمام مشاهد مشتتة، طويلة أحياناً وقصيرة أحيانا أخرى، ترتبط بالمضمون تارّة، وتبتعد عنه طوراً، دون لمسه أو إثارة التساؤلات في دماغه. 

من ناحية أخرى، ارتكزت الحوارات على يوميات الإنسان التونسي المتواجد في بلاد لا تلبث أن تقمعه، وتحدّ من طاقاته الفكرية، والعاطفية، وطموحه الواسع، في الوصول إلى الحرية المنشودة. تجسًّد هذا القمع، والطغيان، وهذه المحدوديّة في قصّة فرح، وعلاقتها بأمها، والفرقة الموسيقية التي تعمل معها، والشاب الذي تحبه، بالإضافة إلى معتقداتها ومبادئها تجاه النظام القائم في البلاد.

قُسّم الفيلم إلى ثلاثة أجزاء أساسيّة، مرتبطة ببعضها البعض، من حيث التسلسل الدرامي للأحداث، مفصولة بالسواد. لقد بدأ الفيلم بوتيرة إيقاع سريعة، تعبّر عن طموح الشباب التونسي، المليء بالطاقة والإبداع، والتي بدأت بالتقلص تدريجياً، حتى وصلت إلى مرحلة السكون في المشاهد الأخيرة. كذلك، اتبعت المخرجة الوتيرة نفسها مع الألوان، التي عبّرت في البداية عن الرغبة الجامحة في ممارسة الحب، والحماس التام في الوصول إلى النشوة والحرية في الجوانب الحياتية كافة.

الشخصيات وروابط العلاقات:

في البداية، يجب  التنويه على أهمية فيلم «على حلّة عيني»، في إبراز وجوه جديدة على الساحة السينمائية، وهذا ما قد يعتبر نقطة إيجابية في الفيلم الأول للمخرجة ليلى أبو زيد. ولكن، كيف تمّت معالجة أبعاد الشخصيات؟ وكيف تمّ تجسيد العلاقات فيما بينها؟

ضمن السياق المذكور يذكر المناظر لابوس أيجري، في كتابه «فن الكتابة المسرحية»، أن الشخصية تتميز بأبعاد ثلاثة. البعد الفيسيولوجي، أي الماّدي والعضوي، البعد السوسيولوجي، أي البعد الإجتماعي، بالإضافة إلى البعد السيكولوجي، وهو البعد النفسي الذي يخفي صراعات وتخبطات الشخصية. كلّ هذه الأبعاد تتداخل فيما بينها كوحدة، لإعداد الشخصية،  ودراسة أفعالها وردود أفعالها، بالإضافة إلى رسم خط التصاعد الدرامي الخاص بها تبعاً للأحداث المقدمة.

 إذا كانت المخرجة تريد أن تقدّم نموذجاً عن الذل الذي تمارسه الأجهزة الأمنية على الشعب، فلم تكن الفكرة واضحة أو مبررة ضمن سياق الفعل المتصل للشخصية.

في فيلم «على حلّة عيني»، غابت هذه الأبعاد، ولم تحضر إلاّ بشكل عشوائي. بالإضافة إلى أن الشخصية المحورية، فرح، لم تُظهر أي تطوّر درامي منذ بداية الفيلم، حتى انتهائه، إلاّ بشكل بسيط، على الرغم من كل زخم الأحداث الذي تعرضت له في مدّة زمنية قصيرة. من ناحية أخرى، لم تستطيع الممثلة والمغنية التونسية، غالية بن علي، والدة فرح، أن تقنعنا في مشاهدها. وهذا يعود بالطبع، إلى عدم دراسة الشخصيات كما يجب، وعدم الدخول فيما يعرف تحت مسمى «تاريخ الشخصية»، الذي وضع أسسه المخرج الروسي قسطنطين ستانسلافسكي، في كتابة الشهير «إعداد الممثل في المعاناة الإبداعية».

طروحات الفيلم:

طرحت المخرجة في فيلمها قضايا محورية وفضفاضة، تمثلت بركيزتين أساسيتين:

  • الركيزة الإجتماعية: والتي حدّدتها المخرجة بعلاقة فرح بأمّها، مجسدة القمع الإجتماعي الذي يتمّ ممارسته على الإمرأة في العالم العربي. بالإضافة إلى محاولة إيجاد هوية وطنية خاصّة ترفض الهمجية والظلم الذي يمارسه النظام السياسي القائم على الشعب التونسي.
  • الركيزة النفسية: تمّ تجسيدها بصراع فرح بين الدخول في مجال الطب أو دراسة الموسيقى. إذ، حاولت المخرجة تصوير التخبطات والصراعات الداخلية الذي يتعرض لها الشباب العربي.

أخفقت المخرجة ليلى بو زيد، في خلق شبكة علاقات متينة، تضع المتلقي في حالة تماهٍ، أو حتى في حالة طرح التساؤلات الفكرية، والعاطفية، والإجتماعية. إذ بدت الروابط بين الشخصيات فاترة وباردة أحياناً، وغير منطقية أحياناً أخرى. كذلك، يمكن القول إن العمل يندرج ضمن إطار الكلاسيكية، التي نجدها في روايات الكاتب اللبناني توفيق يوسف عواد، والكاتب المصري إحسان عبد القدوس.

فرح، شخصية تمثل شريحة واسعة من الشباب المعاصر، الذي يعيش صراعات وجودية ونفسية تسوقه إلى حالة من العدم. وعوضاً عن تصوير هذا الجانب بشكل متقن، قررت المخرجة تصوير شخصية فرح بطريقة منمطة، بعيدة كل البعد عن المتناقضات النفسية المركبة التي تحدث في أخلاج الإنسان.

فيلم «على حلّة عيني»
بيّة مظفر في لقطة من الفيلم

وأخيراً، ثغرات أساسية رافقت الفيلم منذ بدايته حتى نهايته. أبرزها علاقة أم البطلة، غالية بن علي، بحبيبها السابق يونس الفارحي، التي لم يكن لها أي تأثير في مجرى الأحداث، ولا حتى في تصوير التخبطات النفسية التي عاشتها الأم، نتيجة زواجها برجل آخر. كذلك، ما الفكرة المراد إيصالها من إقدام الوالدة على إستباحة نفسها أمامه، لإخراج ابنتها من السجن؟ إذا كانت المخرجة تريد أن تقدّم نموذجاً عن الذل الذي تمارسه الأجهزة الأمنية على الشعب، فلم تكن الفكرة واضحة أو مبررة ضمن سياق الفعل المتصل للشخصية.

«على حلّة عيني»: الإخفاق والإبتذال في الطرح

يمكن القول، إن فيلم «على حلّة عيني»، أظهر تشتت المخرجة وضياعها، تحديداً في إقبالها على تصوير حقبة مفصلية في تاريخ تونس، بطريقة مباشرة، لا تعتمد على سرد أحداث واقعية، ولا حتّى تعيد تشريح الوضع الراهن قبيل الثورة. لماذا اختارت المخرجة صيف 2010 بالتحديد؟ لماذا لم تلقِ الضوء على نقاط أعمق وأدقّ في الوضع النفسي والإجتماعي قبيل الثورة؟

لو تمّ إنتاج هذا العمل عام 2010، سيكون الوضع مختلفاً تماماً. ولكن، تاريخ إنتاجه زاد التساؤلات. ومن هنا لا بدّ من التفكير بالغاية الأساسية، من دفع أموال، لتمويل إنتاجات سينمائية، لا تستطيع إحداث أي فارق في الرأي العام العربي ومستوى وعيه؟ ليست الأنظمة العربية وحدها، وممارستها الديكتاتورية تحدّ الحرية في المجتمعات. وإنّما للجمعيات الأجنبية التي تهافتت على تمويل مشاريع وعروض لفنانين عرب، دورٌ كبيرٌ في تحطيم إمكانية بناء وعي جماعي، يحاول فهم ماهية الفن وقدرته الفعالة في التغيير.

ندى جوني

كاتبة محتوى إلكتروني، أعمل في مجال البحث العلمي، أحضر حالياً لنيّل شهادة الماجستير في المسرح من الجامعة اليسوعية في لبنان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى