فنون أخرىفنون تشكيلية

الفنانون التشكيليون والـ Safe Zone

عرف بابلو بيكاسو بأساليب، وتقنيات، طبعت مراحل عديدة من حياته الفنية، أشهرههما، المرحلة «الزرقاء»، والمرحلة «القرمزية». وعلى الرغم من أنّه يعرف كأحد أهم زعماء التكعيبية cubism، إلى جانب جورج براك Georges Braque، إلّا أنّ في أرشيفه الكثير من الأعمال الفنيّة، التي لا تتسم بالأسلوب التكعيبي وحسب. فلبيكاسو الكثير من اللّوحات الكلاسيكية. وأعماله التي تندرج تحت إسم المرحلة الزرقاء Blue Period، اتسمت بروحها التعبيرية. كما إشتهر بمنحوتاته، التي تشبه القناعات الأفريقية. رغم تنوّع أساليب بيكاسو، وتعدد مراحله بالفن، إلّا أن جميع أعماله تحمل معها نفس الخصوصية الفنيّة، فعندما نرى أي لوحة، أو منحوتة له، يمكننا معرفة بأنّ ذلك العمل يعود إليه، دون أن نبحث عن توقيع يحمل إسم الفنان. وتلك خصوصية الأعمال الفنيّة، ذات الأساليب المتوعة. لم يكن بيكاسو، إذاً، بحاجة إلى اعتماد نفس التقنيات، والألوان، والأسلوب، لكي يحافظ على الهويّة الفنيّة، التي تميّز أي فنان عن غيره، وتكمن بأبعد من إلتزام الفنان بتقنيّة معيّنة، أو أسلوب معيّن. وهنا يكمن السؤال، كيف للفنان أن يخلق هويّة فنيّة دون أن يدخل بدوّامة التكرار؟

دوّامة التكرار:

دوامة التكرار، هي المساحة الآمنة أو الـ safe zone ، للفنان، والتي يصعب عليه، ولا يجرؤ أن يتخلّى عنها. تتشكّل هذه المساحة، حين يقوم الفنان بعمل فنّي ناجح، يلقى إعجاب الجماهير، وأصحاب المعارض. هنا يبدأ قلق الفنان، بأن يقوم بعمل جديد مغاير، إن كان لناحية التقنيات، أو الأسلوب، أو الألوان حتّى، خوفاً من أنّ هذا العمل الجديد، لن يحظى بنفس الإهتمام الذي حظي عليه عمله السابق. يحفّز هذا القلق الفنان، على أن يكرّر نفس الأسلوب، في أعماله الجديدة، وبالتالي فهو لا يتخلّى عن مساحته الآمنة، بحجة أنّه يقوم بإبتكارهويّة فنيّة خاصة به، تميزه عن سائر الفنانين.

وعليه يأتي السؤال، ما الضرر بأن يعتمد الفنان أسلوباً واحداً؟ فعليّاً، ليس هناك أيّ ضرر في ذلك، ولكن هل سيتشوّق المتفرج إلى مشاهدة مسرحيّة، شاهدها في السابق مراراً وتكراراً؟ نفس المبدأ ينطبق على الفن التشكيلي. قد يتشوّق الجمهور إلى رؤية معرض مليء بلوحات البورتريه لأشخاص يرتدون الكوفيّة، مرّة، إثنين، وثلاث. ولكن بالنهاية سيمل. إلّا في حالة واحدة، إن كان الفنان قد نجح بإستقطاب فئة معيّنة من الجمهور الذي لا يجرؤ على إنتقاد تكراره.

 ليس هناك من جدوى، وراء تقديم عمل فنّي، لا يضيف إحساساً أو فكرة جديدة، على ما قدمه الفنان في أعماله السابقة.

محمد الرواس، فنان تشكيلي لبناني

الهويّة الفنيّة لاتولد من التكرار، بل يولدها التراكم، فمهما تنوّعت تجربة الفنان، يبقى هو من أنجز جميع الأعمال التي بالطبع تحمل لمسته، وأحاسيسه، وأفكاره. والفن هو عبارة عن تجارب وأخطاء، يرتكبها الفنان، للوصول بالنهاية، إلى عمل فني يعبّر عن مكنوناته. فكيف للفنان أن يعبّر عما في داخله من أفكار، وأحاسيس، التّي من الطبيعي أن تتغير مع تغيّر الزمن، بنفس الأسلوب الذي لم يطرق عليه أيّ تغيير؟

لوحة للفنان محمد الروّاس، 1978

ما يزيد هذا الضغط في التكرار على الفنان، هو تعامل أغلبية المعارض الفنيّة، مع الفن بطريقة تسويقيّة. فعندما تختار المعارض أن تعرض أعمالاً لفنان ذي قيمة فنيّة عالية، يهمّها أن تكون تشبه جميع أعماله الفنيّة السابقة لأنّ ذلك سيحفز الشراة على إقتنائها. وهنا أيضاً تكمن المشكلة بالجمهور الرأسمالي الذي لا يهمه سوى أن يقتني لوحة لفنان معين، ليتباهى بإقنتائها.

إضافةً إلى ذلك، فإنّه بوقتنا الحالي، يصعب على الفنان أن يبتكر أساليب، وتقنيّات جديدة. وبالتالي يسهل عليه أن يختار أسلوب واحد ويكرره في جميع أعماله، ليتميز به عن غيره من الفنانين موهماً نفسه بأنه يضيف بصمة فنيّة خاصة وجديدة.

تجربة الفنانين اللّبنانين:

في لبنان وخاصةً اليوم، بعد أن دخل الكثير من الفنانين، ميدان العمل، أو السوق الفنّي، الذي بات البعض يطلق عليه «سوق الخضرة». وبعد أن زاد الضغط، على الفنان، بأن يتميّز عن غيره من الفنانين، الذين يعتبرهم منافسين له، دخل الفنانون اللبنانييون، إلى دوّامة التكرار، والضغط الذي هدفه تشكيل هويّة فنيّة بلمحة بصر. ويبقى القليل من الفنانين اللبنانيين، يتمتعون بمسيرة فنيّة متنوعة، مليئة بالاختبارات والتجارب، ويبقى الفنان اللّبناني محمد الروّاس أهمهم.

لوحة للفنان محمد الروّاس 1974

رغم الخصوصية التي حافظ عليها الفنان محمد الروّاس في جميع أعماله الفنيّة، وإلى جانب أعماله المتنوعة الوسائط ال  Mixed Media، ورسومات المانغا التي يعرف بها، إلّا أنّ تقنياته وأساليبه متنوعة دائماً. إختبر الروّاس الكثير من التقنيّات في أعماله، كالكولاج collage، ال Serigraphy (الطباعة على مختلف الأسطح)، الـ Assemblage،  الـ Transfer، والـ Mixed Media (حيث يستخدم الفنان أكثر من مادة أو وسيط في العمل الفني الواحد).  

لم تنحصر أعمال الفنان محمد الروّاس ضمن إطار اللّوحة فقط، فله الكثير من المنحوتات والأعمال المفاهيميّة، كالعمل المفاهيمي »من فضلك أجلس« Sit Down Please، الذي عرض عام 2007.

عمل مفاهيمي للفنان محمد الروّاس 2007

يقول الرواس في حديث لمدونة «ماكيت»، حول دوّامة التكرار التي يعلق بها الفنان، وعن كيف إستطاع أن يحافظ على هويته الفنيّة دون أن يكرر أعماله، إنه إذا تقدم بنصّ معيّن إلى الجمهور، لا معنى من تقديمي له مرّة أخرى، «لأن يلي قلتو قلتو». أي ليس هناك من جدوى، وراء تقديم عمل فنّي، لا يضيف إحساساً أو فكرة جديدة، على ما قدمه الفنان في أعماله السابقة.

الفن هو وسيلة لخرق مساحتنا الآمنة، وليس العكس. قد يجد الفنان حاجة، إلى أن يكرر شعور، أو فكرة، أو قصة، بأكثر من عمل، بهدف التسويق لأعماله، وطبع صورة معيّنة لأسلوبه الفني بذاكرة الجمهور. ولكن تكمن حنكة الفنان، حين يتعامل مع الفن كأسلوب حياة، ووسيلة للتعبير عما بداخله من متغيّرات، ويترجمها من خلال أعماله، التي يختبر بها كلّ ما هو جديد، ومع ذلك يترك بصمة له في السوق الفنّي.

رنا علوّش

فنانة بصرية. حائزة على بكالوريوس بالفنون التشكيلية من الجامعة اللبنانية. أعمل في مجالات فنية عدّة، كصناعة الدمى، وتصميم المجموهرات، والسينوغرافيا، والتلوين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى