فنون أخرىفنون تشكيلية

فن البورتريه، ليس فناً!

حين يعرّف المرء عن نفسه، بين مجموعة من الأشخاص، على أنّه «فنان تشكيلي»، قد يكون أول ما يتلقاه من أسئلة: «فيك ترسمني؟ إذا عطيتك صورة أمّي، بتطلعها بالزبط مثل ما هي؟ قدّي بتاخد على البورتريه؟»، وغيرها من الأسئلة الشائعة في هذا الإطار… إذ إنَّ معظم الناس الذين لا يتمتعون بمستوى عالٍ من الثقافة والإطلاع الفنيين، ينظرون إلى الفنان التشكيلي، على أنّه رسّام واقعي، يمارس حرفة نسخ الوجوه على القماش. ولكن في الواقع، يمكن للمرء أن يكون رسّام بورتريه بارعاً جدّاً، وليس له أي قرابة بالفن التشكيلي، والعكس صحيح! فما الفرق إذاً بين الرسوم الواقعية وتحديداً رسومات فن البورتريه، وبين اللّوحة الفنيّة؟

البورتريه الواقعية:

يعرف متحف تيت مودرن Tate Modern Museum،  فن البورتريه ولوحاته، على أنها مجرد «تمثيل لشخص معيّن». فعبر التاريخ، صوّرت لوحاتُ البورتريه في المقام الأوّل الحكّام، والأغنياء، والأقوياء، وذلك بناءً على طلبهم، بهدف تخليد صورتهم وذكراهم. ومع مرور الوقت، أصبح شائعاً أن يقوم رعاة الطبقة الوسطى، بتكليف رسامين من أجل البورتيهات لعائلاتهم وزملائهم.

البورتريه، إذاً، هي حرفة يمارسها الرسّام مقابل المال، والغاية من طلبها هي تصوير الشخص المراد رسمه بطريقة واقعية، ممّا لا يسمح للرسّام أن يضيف على هذه اللّوحة، أي لمسة فنيّة. فكل ما على الرسّام فعله، هو نسخُ الوجه في لوحة البورتريه، تماماً كما هو، والشاري دائماً ما يعجب بالنتيجة التي لا يستطيع أن يميّزها عن الصورة الفوتوغرافيّة.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إنَّ حرفة رسم البورتريه الواقعي ليست سهلة، فعلى الرسّام أن يكون متمتعاً بمهارات عاليّة بالرسم، وأن يكون دقيقاً في رسمه، ويتحلّى بالصبر. ولكن مع هذا، لا يعتبر ما يفعله فناً. فهو لا يطرح  فكرة، أو يضيف أي  إحساس، أو لمسة جديدة على لوحته المنسوخة. هو فقط ينقل ما يراه بواقعيّة، تماماً كما يتعلّم التلاميذ نسخ النصوص الأدبيّة في المدرسة.

اللّوحة الفنيّة دوماً ما يحمّل معها شيء جديد، ولا تقتصر على نسخ الواقع فقط.

رنا علوش

دائماً ما يتهافت الناس، على الرسّام، للحصول على لوحة بورتريه، شبيهة كلّ الشبه بهم، أو بأحبتهم. وأغلبيتهم ينفقون مبالغ ليست بقليلة، للحصول على هذه اللّوحة، وبعد حصولهم عليها، يهدونها إلى صاحب اللوحة، أو يعلقونها على حائط غرفة إستقبال الضيوف. ولكن، في وقتنا الحالي، أصبح لدينا كاميرات بأحدث التقنيّات، وكثر عمل المصورين المحترفين، فإن كانوا مولعين إلى هذه الدرجة بإقتناء لوحة واقعيّة لوجههم، لما لا يحصلون على بورتريه فوتوغرافيّة؟ فمن ناحية التكلفة، هي أقل نسبيّاً – حسب شهرة المصوّر، ومن ناحية الوقت، تحتاج إلى ثوانٍ معدودة، والنتيجة ذاتها! بورتريه واقعيّة لوجههم الحسن، تعلّق على الحائط ليراها الضيوف.

بين البورتريه واللوحة الفنية:

عند تعريف اللّوحة التشكيليّة، قد يقتصر الكثير على مسألة الشكل. فعلى الرّغم من تعريف اللّوحة التشكيليّة، على أنّها «مجموعة من الأشكال والخطوط والألوان، يستخدمها الفنان لتشكيل تأليف فنّي متناغم، على سطح من القماش أو الخشب». إلّا أنَّ اللّوحة الفنيّة، تستخدم هذه العناصر، لإيصال فكرة معيّنة، أو للتعبير عن حالة معيّنة، بأسلوب خاص يعرّف عن هوية منجزها. قد تتناول هذه اللّوحة، البورتريه، ولكنّها ليست بـ «بورتريه» منسوخة عن وجه أحد، ولا الغاية منها نسخ ما هو مطلوب. بل هي بورتريه ذات لمسة خاصّة، تحمل فكرة أو إحساساً، قد يرغب الفنان بطرحهما بأسلوب تعبيري، أو تكعيبي، أو تجريدي، أو حتّى واقعي. فاللّوحة الفنيّة دوماً ما يحمّل معها شيء جديد، ولا تقتصر على نسخ الواقع فقط.

فن البورتريه، إلياس أيوب
من مجموعة البوتريه للفنان التشكيلي اللبناني إلياس أيّوب

على سبيل المثال، في يومنا هذا،، قام الفنان التشكيلي، إلياس أيّوب، مؤخراً، بإنجاز مجموعة من لوحات البورتريه، التي تعكس شخصيّات متخيّلة، ممكن أن نراها في الواقع، ولكن بتحويرات خاصة، وناتجة عن عفوية غير مصطنعة. تتميز هذه المجموعة، باللّمسة المفاجأة، المشبّعة بلون يتناغم مع الألوان المجاورة، وتتضارب معه بنفس الوقت. مجموعة البورتريه هذه، تحمل الأسلوب التعبيري، البعيد كلّ البعد عن الواقعية، ولكنّه يستطيع أن يخاطب المشاهد بطريقة، قد لا تستطيع الواقعية مخاطبته بها.

البورتريه: بين الحرفي والفنان التشكيلي

عمل الفنان التشكيلي، غير محدود ضمن إطار اللّوحة فقط. قد لا يجد الفنان ملاذاً بالتعبير عن مكنوناته، بإستخدام ألوان يصبغ بها القماش، فيلجأ إلى النحت، أو تقنيّات الطباعة، أو الأعمال التجهيزيّة وغيرها من وسائط الفن. والهدف يبقى ذاته: التعبير عن فكرة أو إحساس، بأسلوب فنّي جديد وغير مبتذل.

وعليه، فإن الفنان التشكيلي، ليس موظفاً، لا نستطيع أن نحدّه بموضوع معيّن، أو نطلب منه أن يتناول فكرة معيّنة، لا تعنيه. فإن لم يستطع التفاعل معها، لن يستطيع ترجمتها مستخدماً أفضل قدراته ومهارته، فهو فقط من يستطيع إختيار موضوع عمله الفنّي المقبل. إن طلبت من الفنان، لوحة بورتريه لوجهك، وقابلك بالرفض، هذا لا يعني بأنّ قدراته الفنيّة ضعيفة، بل يعني أنّه يترك حرفة رسم البورتريه لأصحابها. في المرّة المقبلة، حين تلتقي بفنان تشكيلي، اسأله/يه عن أسلوبه، والمواضيع التي يتناولها في أعماله الفنيّة، والتقنيّات التي يستخدمها لترجمة إحساسه، وإن كنت ترغب/ين برؤية وجهك مرسوماً على ورق، تواصل/ي مع ممارس حرفة رسم البورتريه.

رنا علوّش

فنانة بصرية. حائزة على بكالوريوس بالفنون التشكيلية من الجامعة اللبنانية. أعمل في مجالات فنية عدّة، كصناعة الدمى، وتصميم المجموهرات، والسينوغرافيا، والتلوين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى